محمد داوود قيصري رومي
365
شرح فصوص الحكم
على ما وهبت . يقال : فلان وقف مع فلان وواقف معه . إذا لم يتعد عنه في السير . ولم يقف معه . إذا تعدى عنه . وهذا الكلام إشارة إلى ما مر من أن جميع الموجودات ما يأخذون كمالهم إلا من مرتبة الإنسان الكامل ، ولا يحصل لهم المدد في كل آن إلا منها ، لأن الأسماء كلها مستمدون من اسم ( الله ) الذي هذا الكامل مظهره . ويجوز إن يراد ب ( النشأة ) ههنا نشأة رتبته الجامعة للنشأتين ، ويجوز أن يراد النشأة الروحانية وحدها . قوله : ( ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية ) بيان سبب آخر ، لذلك أعاد قوله : ( ولا وقفت ) . وقوله : ( من العبادة ) بيان ( ما ) . وصلة ( تقتضيه ) محذوفة . تقديره : مع ما تقتضيه حضرة الحق ويطلبه منهم من العبادة . ومعناه : أنهم ما وقفوا على ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة التي تقتضيها ذواتهم أن يعبد الحق بحسب الأسماء التي صارت مظاهر لها بالانقياد والطاعة لأمره ، أو العبادة التي يقتضيها الذات الإلهية أن يعبد بها . وحضرة الحق حضرة الذات ، إذ ( الحق ) اسم من أسماءها . قوله : ( فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته ) تعليل لعدم الوقوف مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة ، أي ، لأنه لا يعرف أحد من العباد شيئا من أسماء الحق وصفاته إلا ما تعطى ذات ذلك العبد بحسب استعداده ، ولا يعبده أحد إلا بمقدار علمه ومعرفته بالحق ، لأن العبادة مسبوقة بمعرفة المعبود من كونه ربا مالكا يستحق العبادة ، وبمعرفة العبد من كونه مربوبا مملوكا يستحق العبودية ، فمن لا يعطى استعداد ذاته العلم والمعرفة بجميع الأسماء والصفات ، لا يمكنه أن يعبد الحق بجميع الأسماء ، لذلك لا يعبد الحق عبادة تامة إلا الإنسان الكامل ، فهو العبد التام . ولاستلزام العبادة المعرفة قال : ( فإنه لا يعرف أحد ) كما فسر العبادة بالمعرفة في قوله : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( 76 )
--> ( 76 ) - أي ، ما خلقت جن النفوس وإنس الأبدان - أو الثقلين المشهورين - إلا ليظهر عليهم صفاتي وكمالاتي فيعرفوني ، ثم يعبدوني - إذ العبادة بقدر المعرفة ، ومن لم يعرف لم يعبد ، كما قال سيد الأولياء ، عليه السلام : ( لا أعبد ربا لم أره ) ، ( ولست أعبد ربا لم أره ) . وقال أيضا : ( عرفت ربى بربي ) . وقال أيضا : ( إعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة ) . - لا لأن يحتجبوا بوجوداتهم عنى . فإقامة العبادة مقام المعرفة إقامة المسبب مقام السبب . ويمكن أن يكون من قبيل عكس ذلك : إشارة إلى أن المعرفة المطلوبة هي الحاصلة بطريق العبادة ، لأن المعرفة الحاصلة من الأعمال الصالحة والعبادات هي حق المعرفة المذكورة في مرتبة القربين : الفرائض والنوافل . والمعرفة عن طريق البرهان ، وإن كانت أعلى درجة عن المعرفة الحاصلة من الأدلة الكلامية والأخذ بالمشهورات ، ولكن المعرفة الحاصلة عن الأعمال مع العلم بنتائج الأعمال تحصل من فناء العابد في المعبود ، ولذا قال سيد الأولياء ، أمير أرباب الحق : ( عليكم بالعمل ، فان العلم لا يعد له شئ ) . وبه يصل العبد إلى مقام المحمود ويرى الحق بعين الحق ويسمع بسمعه أو يسمع الحق بسمعه ويرى بعينه ، وورد فيه : ( إن عليا أذن الله الواعية وعين الله الناظرة ) . هذه خلاصة ما ذكره بعض أرباب المعرفة . ( ج )